الأربعاء 14 أكتوبر 2026 | 10:26 ص

حصريًا لـ«مصر الآن».. أسامة درويش يكشف كيف تحمي الوقاية الاقتصاد المصري من خسائر الكوارث


 بمناسبة اليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث، يفتح الدكتور أسامة درويش، أستاذ الاقتصاد المساعد بقسم الاقتصاد بمركز بحوث الصحراء، في حوار خاص لـ«مصر الآن»، ملف التكلفة الاقتصادية للكوارث، موضحًا كيف تتجاوز الخسائر الأضرار المادية المباشرة لتطال الإنتاج وفرص العمل وأسعار الغذاء، ومؤكدًا أهمية الاستثمار في الوقاية والإنذار المبكر والتخطيط الاقتصادي لتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة المخاطر المستقبلية.

لم تعد الكوارث تُقاس فقط بحجم المباني والمنشآت والمحاصيل التي تتعرض للتلف، بل تمتد آثارها إلى توقف الإنتاج، واضطراب سلاسل الإمداد، وفقدان فرص العمل، وارتفاع تكاليف التعافي وإعادة الإعمار، فضلًا عن الضغوط التي تفرضها على الموازنات العامة والأمن الغذائي.
وفي ظل تزايد المخاطر المناخية والضغوط على الموارد الطبيعية، تبرز أهمية الانتقال من التعامل مع الخسائر بعد وقوعها إلى الاستثمار في الوقاية والاستعداد المسبق. وفي هذا السياق، يناقش «مصر الآن» مع الدكتور أسامة درويش سبل الحد من التداعيات الاقتصادية للكوارث، ودور البحث العلمي والتخطيط والإنذار المبكر في حماية الموارد وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على الصمود.

1. كيف نقيس التكلفة الاقتصادية الحقيقية للكوارث بعيدًا عن الخسائر المادية المباشرة؟
لا تقتصر التكلفة الاقتصادية للكوارث على الأصول والمحاصيل والمنشآت المتضررة، بل تشمل أيضًا توقف الإنتاج، واضطراب سلاسل الإمداد، وفقدان الدخول وفرص العمل، وارتفاع أسعار الغذاء، وزيادة تكاليف التعافي وإعادة الإعمار.
ووفقًا لتقرير الأمم المتحدة العالمي للحد من مخاطر الكوارث لعام 2025، تُقدّر الخسائر الاقتصادية المباشرة الناجمة عن الكوارث بنحو 202 مليار دولار سنويًا، بينما تتجاوز التكلفة الإجمالية 2.3 تريليون دولار عند احتساب الآثار المتسلسلة وغير المباشرة وتدهور النظم البيئية.
وتكشف هذه الفجوة عن أهمية اعتماد منهج شامل لقياس الخسائر الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بما يساعد على فهم التأثير الحقيقي للكوارث وتحديد أولويات الوقاية والاستجابة والتعافي.

2. هل الاستثمار في الوقاية أقل تكلفة من معالجة الأضرار بعد وقوع الكوارث؟ وكيف يمكن إثبات ذلك اقتصاديًا؟
يمثل الاستثمار في الوقاية خيارًا اقتصاديًا أكثر كفاءة في كثير من الحالات؛ لأنه يقلل الخسائر المحتملة، ويحمي الأصول والإنتاج والاستثمارات، ويحد من تكاليف الإصلاح وإعادة الإعمار.
ويمكن إثبات جدوى هذا الاستثمار من خلال تحليل التكلفة والعائد، ومقارنة تكلفة التدخلات الوقائية بالخسائر التي يمكن تجنبها عند وقوع الكوارث.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تعزيز قدرة البنية التحتية على الصمود أمام المخاطر قد يحقق منافع تقارب أربعة دولارات مقابل كل دولار يُستثمر في تعزيز المرونة. وهو ما يؤكد أن الإنفاق الوقائي ليس مجرد عبء على الموازنة العامة، بل استثمار في استدامة النمو وتقليل الخسائر المستقبلية.

3. ما أبرز المخاطر المناخية التي تهدد الإنتاج الزراعي والموارد الطبيعية في مصر؟
تتمثل أبرز المخاطر في ارتفاع درجات الحرارة، والجفاف، والسيول، وارتفاع مستوى سطح البحر وما قد يترتب عليه من تأثيرات في الأراضي الساحلية، إلى جانب الضغوط المتزايدة على الموارد المائية.
وتعتمد مصر بصورة رئيسية على نهر النيل في مواردها المائية العذبة، فيما تبلغ حصتها السنوية المقررة من مياهه 55.5 مليار متر مكعب. ومع انخفاض نصيب الفرد من المياه إلى مستويات الفقر المائي، تتزايد أهمية التكيف مع التغيرات المناخية، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير أساليب الإنتاج الزراعي.
وتتطلب مواجهة هذه المخاطر سياسات متكاملة تحافظ على الموارد الطبيعية، وتدعم استدامة الإنتاج الزراعي، وتعزز قدرة الدولة على حماية الأمن الغذائي.

4. كيف تنعكس السيول وموجات الحرارة والجفاف على دخول المزارعين وأسعار الغذاء؟
تؤدي هذه المخاطر إلى إتلاف المحاصيل أو خفض إنتاجيتها، فضلًا عن زيادة تكاليف الري والطاقة والمدخلات الزراعية، وهو ما ينعكس على أرباح المزارعين ودخولهم.
كما يمكن أن يؤدي تراجع المعروض من بعض المنتجات واضطراب عمليات النقل والتخزين إلى زيادة الضغوط على أسعار الغذاء، خصوصًا عندما تتزامن الأضرار مع ارتفاع تكاليف الإنتاج.
وتشمل سبل المواجهة تحسين إدارة المياه، وتفعيل دور الإرشاد الزراعي، وتطوير نظم التأمين الزراعي، والتوسع في التصنيع الزراعي، وتحسين وسائل النقل والتخزين للحد من الفاقد. وتسهم هذه الإجراءات في حماية دخول المزارعين، ودعم استقرار المعروض الغذائي، وتقليل حدة التقلبات السعرية.

5. كيف يمكن توظيف الأبحاث الاقتصادية في تحديد المناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر وتوجيه الاستثمارات إليها؟
تساعد الأبحاث الاقتصادية على دمج خرائط المخاطر بالبيانات الزراعية والسكانية والإنتاجية، بما يسمح بتقدير الخسائر المحتملة وتحديد المناطق والقطاعات الأكثر احتياجًا إلى التدخل الوقائي.
وتكتسب هذه الأبحاث أهمية خاصة في مصر، نظرًا إلى ارتباط النشاط الزراعي بالأمن الغذائي والصادرات وفرص العمل، فضلًا عن ارتباطه بقطاعات أخرى مثل النقل والتصنيع والتجارة.
ومن ثم، فإن توجيه الاستثمارات الوقائية استنادًا إلى خرائط المخاطر والتقديرات الاقتصادية يسهم في حماية الإنتاج والصادرات وفرص العمل، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز قدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات.

6. ما دور الإنذار المبكر في تقليل الخسائر، وما الذي يجب أن يصاحبه لضمان فاعليته؟
يسهم الإنذار المبكر في حماية الأرواح والمحاصيل والمنشآت، من خلال إتاحة الوقت اللازم للاستعداد واتخاذ الإجراءات المناسبة قبل وقوع الخطر أو تفاقمه.
ووفقًا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، يمكن لأنظمة الإنذار المبكر أن تحقق عائدًا على الاستثمار يقترب من عشرة أمثال تكلفتها، بما يعكس أهميتها الاقتصادية إلى جانب دورها الإنساني.
لكن فاعلية هذه الأنظمة لا تتوقف على دقة التنبؤ وحدها، بل ترتبط أيضًا بسرعة وصول التحذيرات إلى الفئات المعرضة للخطر، ووضوح الرسائل، وتوافر خطط الاستجابة، وربط المعلومات بالإرشاد الزراعي والتوعية المجتمعية.
فالإنذار المبكر يحقق قيمته الحقيقية عندما تتحول المعلومات إلى إجراءات عملية تقلل الخسائر وتحمي الأنشطة الاقتصادية.

7. كيف يمكن للدولة ترتيب أولويات الإنفاق على الوقاية في ظل محدودية الموارد المالية؟
يتطلب ذلك توجيه الموارد إلى المشروعات التي تحقق أكبر خفض متوقع في الخسائر مقارنة بتكلفتها، مع إعطاء الأولوية لحماية الفئات الأكثر هشاشة، والأصول الاستراتيجية، واستمرارية الخدمات الأساسية.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال تحليل التكلفة والعائد، والتقييم الدوري للمخاطر، وتنفيذ المشروعات على مراحل وفقًا للأولويات، إلى جانب الاستفادة من الشراكات التمويلية المتاحة.
كما ينبغي أن تتضمن خطط الإنفاق استعدادًا للمخاطر منخفضة الاحتمال وعالية التأثير؛ لأن تجاهل هذه المخاطر قد يؤدي إلى خسائر كبيرة يصعب احتواء آثارها على الموازنة العامة والاقتصاد.

8. ما الآليات التي يمكن أن تعزز مشاركة القطاع الخاص في تمويل مشروعات الحد من مخاطر الكوارث؟
يمكن تعزيز مشاركة القطاع الخاص من خلال الشراكات مع الدولة، والتمويل الأخضر، والتأمين ضد المخاطر، والحوافز الاستثمارية التي تشجع الشركات على توجيه استثماراتها نحو مشروعات أكثر قدرة على الصمود.
ويتطلب ذلك وجود تشريعات مستقرة، وبيانات موثوقة، ووضوح في توزيع المسؤوليات والمخاطر والعوائد، بما يساعد المستثمرين على تقييم الفرص واتخاذ قرارات مدروسة.
ويمكن توجيه هذه الاستثمارات إلى تطوير البنية التحتية المرنة، والتقنيات الزراعية المتكيفة مع المناخ، ومشروعات المياه والطاقة المستدامة، بما يخفف الأعباء التمويلية عن الدولة، ويعزز مشاركة القطاع الخاص في حماية الاقتصاد من المخاطر.

9. هل تحتاج مصر إلى تطوير مؤشرات اقتصادية لقياس الخسائر المحتملة قبل وقوع الكوارث؟ وما أهم هذه المؤشرات؟
نعم، تحتاج مصر إلى تطوير مؤشرات استباقية تساعد على تقدير الخسائر المحتملة قبل وقوع الكوارث، بدلًا من الاكتفاء بحصر الأضرار بعد حدوثها.
وتشمل هذه المؤشرات الخسائر المحتملة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وقيمة الأصول والمحاصيل المعرضة للخطر، والتأثيرات المتوقعة على الدخول وفرص العمل وأسعار الغذاء، إلى جانب تكلفة التعافي، وحجم الإنفاق الوقائي، ومستوى التغطية التأمينية.
كما ينبغي ربط هذه المؤشرات بقواعد بيانات محدثة وخرائط للمخاطر، بما يسمح بمقارنة المناطق والقطاعات المختلفة، وتحديد أولويات التدخل، وتوجيه الاستثمارات وفقًا لحجم المخاطر وقدرة الاقتصاد على تحمل الخسائر.
ويساعد هذا النهج على الانتقال من إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى إدارة المخاطر بصورة استباقية وأكثر كفاءة.

10. ما أبرز الإجراءات التي توصي بها لتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة المخاطر المستقبلية؟
يتطلب تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة المخاطر تبني استراتيجية متكاملة تنتقل من معالجة الأضرار بعد وقوعها إلى الوقاية والاستعداد المسبق، وذلك من خلال عدد من الإجراءات، أبرزها:
تطوير نظم الإنذار المبكر وخرائط المخاطر، وتوجيه الاستثمارات إلى المناطق والقطاعات الأكثر تعرضًا، خاصة المياه والزراعة والبنية التحتية الحيوية.
تحسين كفاءة استخدام المياه، والتوسع في التقنيات الزراعية المتكيفة مع التغيرات المناخية.
تطوير نظم التأمين ضد الكوارث، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في تمويل مشروعات الحد من المخاطر.
إنشاء قاعدة بيانات لقياس الخسائر المحتملة، وإدماج مؤشرات المخاطر في تخطيط الموازنة العامة وتقييم المشروعات.
دعم البحث العلمي، وتوفير آليات سريعة لتمويل الاستجابة للطوارئ، وحماية الفئات الأكثر هشاشة من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للكوارث.
فالاستثمار في الوقاية لا يحمي الأرواح والموارد فحسب، بل يقلل الخسائر المستقبلية، ويدعم الأمن الغذائي واستقرار الأسواق، ويعزز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات وتحقيق نمو مستدام.

استطلاع راى

من وجهة نظرك.. هل فصل الطالب سنة كاملة بسبب تصوير المعلم قرار مناسب؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 6274 جنيه مصري
سعر الدولار 51.70 جنيه مصري
سعر الريال 13.77 جنيه مصري
Slider Image